الجمعة، 10 أغسطس 2012

علي مع الحق، فلنكن معه.. ح3: فيتولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم

صوت الثورة

بسم الله وبالله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبدالله، وعلى أهل بيته الطاهرين الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..

تحدثنا في الحلقتين الأولى والثانية من مقالات (علي مع الحق، فلنكن معه)، واللتان كانتا بعنوان (فزت ورب الكعبة) و (ضربة بضربة)، حول معيار الحق وماهية الفوز والنصر الإلهي وكان ذلك في الحلقة الأولى، فيما تناولنا في الحلقة الثانية مبدأ العدل الإلهي وتحديد ماهية صاحب الحق في الدم وغيره. وفي هذه الحلقة، وهي الحلقة الثالثة والأخيرة من مقالات (علي مع الحق، فلنكن معه) نستعرض بُعداً آخر من وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن الزكي عليهما ونبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام، لا يقل أهمية عما سبق. وهو بُعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآثار المترتبة على الإتيان به أو تركه. وللتذكير نقول، إن إحياء ذكرى علي عليه السلام إنما تكون من خلال إحياء عليٍ فينا لكي تنطلق أرواحنا في فلكه، لا أن يكون الاكتفاء بإحياء وقتي بمجلس تعزية أو بخطبة أو غير ذلك من صور الإحياء الشكلي.


الخميس، 9 أغسطس 2012

علي مع الحق، فلنكن معه.. ح2: فضربة بضربة

صوت الثورة

بسم الله وبالله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبدالله، وعلى أهل بيته الطاهرين الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..

تحدثنا في الحلقة الأولى من مقالات (علي مع الحق، فلنكن معه)، والتي كانت بعنوان (فزت ورب الكعبة)، حول معيار الحق وماهية الفوز والنصر الإلهي، من خلال النظر في بعض أحداث ما قبل ضربة اللعين ابن اللعين عبدالرحمن ابن ملجم المرادي للهامة الشريفة. وفي هذه الحلقة، وهي الحلقة الثانية من مقالات (علي مع الحق، فلنكن معه) نستعرض بعض مظاهر وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن الزكي عليهما ونبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام.


الأربعاء، 8 أغسطس 2012

علي مع الحق، فلنكن معه.. ح1: فزت ورب الكعبة

صوت الثورة


تمر اليوم على المؤمنين في أرجاء المعمورة الذكرى الأليمة لاستشهاد سيد الوصيين ويعسوب الدين، قائد الغر المحجلين، علي أمير المؤمنين، عليه وآله الطاهرين، أفضل الصلاة وأزكى السلام. هي ذكرى ليست ولا يجب أن تكون عابرةً، يكون إحياؤها أشبه بالتقليد السنوي أو الفولكلور أو الطقوس، وإنما يجب أن يكون هذا الإحياء من خلال إحياء روح علي عليه السلام في داخلنا، وما أحوجنا لذلك، لاسيما ونحن نعيش ذاك الزمن الذي قال فيه الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وآله الطاهرين: القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر..


الجمعة، 20 يوليو 2012

هدم المساجد وسيلة لضرب الثورات وتكريس الاستبداد

د. سعيد الشهابي
كاتب بحراني معارض - لندن


اذا كان التحريض الاعلامي والاستهداف الامني والاقصاء والتهميش والتمييز من اهم وسائل استهداف المجموعات الدينية او السياسية التي تمارسها بعض الانظمة في المنطقة فان تعمق التوجه لتدمير المنشآت الدينية اصبح ظاهرة خطيرة بعد ان تكررت في بلدان عربية واسلامية شتى. هذه الظاهرة تؤكد ليس غياب القيم الاخلاقية والانسانية والدينية فحسب، بل تشير الى إصرار على استمرار التوتر الاجتماعي وفق نمط يهدف لاضعاف الصف وتمزيق الامة وفق خطوط العرقيات والمذاهب والاديان. فالاسلام يحترم دور العبادة، أيا كانت ديانات اصحابها، واعتبر في آيات قرآنية ان حالة التوازن الانساني في المجتمعات تؤدي الى الحفاظ على دور العبادة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا). ويتحدث المفسرون هنا عن 'قانون التدافع' بين الناس، اي التسابق لتحقيق التوازن المؤدي الى الاستقرار، وبذلك تصان دور العبادة. ونظرا لارتباط الشعوب والامم بالحالة الدينية كونها تتصل بمشاعر البشر وقلوبهم وضمائرهم ووجدانهم، فان التعرض لدور العبادة يؤدي الى حالة التوتر والاقتتال التي لا تقرها الآية المذكورة.

وقد وجد اعداء الثورة والتغيير في التعرض للمقدسات وسائل فاعلة لمنع التلاحم المجتمعي والوئام النفسي والسياسي، فحركوا العناصر المستعدة، بسبب تنشئتها الدينية، لممارسة ذلك الدور الذي يؤدي الى سفك الدماء على اوسع نطاق. فحرق مسجد او تدمير كنيسة او التعرض لكتاب مقدس بالاساءة المتعمدة، عود ثقاب يشعل النار في اجواء قابلة للاشتعال بسبب الخلافات والاختلافات، الحقيقية او المصطنعة. وكان حرق المسجد الاقصى في 1969 على ايدي الصهاينة جريمة اثارت غضب المسلمين في العالم، وجسدت خطر استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين، كما ان استمرار الحفر تحت المسجد مقدمة لهدمه، الامر الذي يتغافل عنه الحكام العرب والمسلمون. وعلى صعيد الثورة فان إحداث حالة شقاق بين مواطني اي مجتمع يحول دون تحقيق موقف اجتماعي داعم للثورة، ويضعف حماس المواطنين لمواجهة الاستبداد والقمع والديكتاتورية. ولذلك ستظل الانظمة التي قامت بعد الثورات في بلدان مثل تونس ومصر وليبيا، مستهدفة بشكل خاص من القوى التي تخطط لتوجيهها سياسيا وايديولوجيا خصوصا من قبل تحالف قوى الثورة المضادة.

في خريف 1978 عمد جهاز الاستخبارات الايراني، سافاك، في عهد الشاه، لاحراق سينما 'ريكس' في مدينة عبادان، وكانت مكتظة باكثر من 400 شخص يشاهدون عرضا سينمائيا، بعد احكام غلق ابوابها. كانت الجريمة تهدف لاثارة الشعب ضد الثورة، باظهار الثورة التي يقودها العلماء رجعية ومتخلفة وانها ضد السينما والمظاهر الحديثة. غير ان سرعة قيادات الثورة لكشف هوية الجهة التي خططت للعملية ونفذتها، افشل مخطط اجهاض الثورة. ولكن السينما شيء ودور العبادة شيء آخر. ولذلك اصبح استهداف تلك الدور ممارسة تكررت كثيرا في العقد الاخير. وعندما استهدفت جماعة طالبان في العام تمثال بوذا بمدينة باميان، ونسفته كاملا ارتفعت ضجة ضد ذلك الفعل، واصبح رمزا لغياب روح التحمل الديني، واعتبر مؤشرا لانتشار ظاهرة استهداف البشر في معتقداتهم باساليب تثير الغضب ومن شأنها تأجيج الفتن الدينية والمذهبية. هذه التصرفات تحمل دلالات كثيرة تثير القلق لدى المسلمين انفسهم. هذه الدلالات تتجاوز تفسير رد الفعل الآني ضدها، وتتصل بالعقلية التي يحملها مرتكبو اعمال التخريب التي تؤسس على قناعات دينية. ومن الضروري الاشارة الى موقف الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، برفض اداء الصلاة بكنيسة القيامة في مدينة القدس عندما دعاه بطريركها الى ذلك. فقال عمر انه اذا صلى في الكنيسة فسوف يأتي مستقبلا من يطالب بتحويلها الى مسجد لان الخليفة صلى فيها. ولذلك بقيت تلك الكنيسة قائمة حتى الآن. ولم يكن من ثقافة المسلمين على مدى قرون حضارتهم استهداف دور عبادة النصارى او اليهود، فالحضارة القوية هي القادرة على احتضان الجميع في كنفها، والابتعاد عن سياسات الاقصاء من منطلقات دينية او ثقافية او عرقية. ويقول تاريخ سقوط الاندلس ان اليهود الذين عاشوا فيها خلال الحكم الاسلامي فضلوا الانسحاب مع المسلمين لان ذلك اضمن لسلامتهم وامنهم من العيش في كنف النصارى. كما يؤكد التاريخ انهم انما استهدفوا بسبب دينهم في ظل الحضارة الغربية، وتعرضوا القرن الماضي لحرب ابادة بسبب دينهم، الامر الذي لم يحدث لهم في تاريخ الاسلام.

منذ مطلع هذا الشهر استهدفت مجموعة 'انصار الدين' مساجد تاريخية تابعة للصوفيين بمدينة تمبكتو، عاصمة مالي، ودمرت عددا منها. ففي الأول والثاني من يوليو، قام مسلحو حركة 'أنصار الدين' الذين يسيطرون على المدينة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، بهدم سبعة أضرحة من أصل 16 في تمبكتو وحطموا 'الباب المقدس' لجامع سيدي يحيي، ما أثار استنكارا في داخل مالي وخارجها. ودعت المغرب الى تدخل دولي لحماية المساجد في مالي من التدمير معتبرة ان ذلك تراث انساني يجب الحفاظ عليه. وقال ساندا ولد بامانا، المتحدث باسم 'أنصار الدين' لهيئة الاذاعة البريطانية إن الحركة قد أكملت الآن نحو تسعين في المئة من هدفها الرامي إلى تحطيم جميع الأضرحة التي 'لا تتماشى مع أحكام الشريعة'. وأوضح أن الشريعة لا تسمح ببناء قبور يتجاوز ارتفاعها عن الأرض 15 سنتيمترا. وقبل اسبوع دمرت ميليشيات جماعة 'أنصار الدين' ضريحين في مسجد دجينغاريبر في تمبكتو بعد ان أطلقوا النار في الهواء لإبعاد الحشود وتخويفهم، مستخدمين مجارف ومعاول لاكمال الهدم. وأفاد موقع اليونيسكو على الإنترنت أن تمبكتو تضم 16 مقبرة وضريحا، تعد من المكونات الأساسية للنظام الديني، حيث إنها، بحسب المعتقدات الشعبية، كانت حصنا يحمي المدينة من كل المخاطر'. وقد لقبت المدينة التي أسستها قبائل من الطوارق في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين 'بمدينة الأولياء الـ333'، وكانت مركزا ثقافيا إسلاميا، ومدينة تجارية مزدهرة تعبرها القوافل التجارية.

جاء ذلك في الوقت الذي صدرت فيه دعوة للرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، لهدم الاهرامات. فقد نقل عن الدكتور عبد اللطيف المحمود، شيخ مشايخ السنة البحريني، ورئيس تجمع الوحدة الوطنية تصريح في اعقاب الاعلان عن فوز محمد مرسي بالرئاسه ( لم يمكن التأكد منه) قال فيه، 'الحمد لله الذي نصر جنده وهزم الاحزاب وحده، مبروك عليك يا مصر، ان لك هدم الانصاب الاهرام وتماثيل الكفر، وتنجزين ما لم ينجزه الصحابي عمرو بن العاص'. ولم ينقل عن الشيخ المحمود نفي لذلك برغم تداوله في وسائل الاعلام المصرية والامريكية من بينها مجلة 'فرونت بيدج' الامريكيه، المعروفة بتوجهاتها اليمنية المتشددة. وفي العام الماضي قام السلفيون المصرين بالاعتداء على خمسة اضرحة بمدينة قليوب وهدمها بدعوى انها 'حرام شرعا' في ما عرف لاحقا بـ 'غزوة الاضرحة'. واعقب ذلك قيام عد من شباب المدينة باطلاق حملة لترميم الاضرحة التي تم هدمها. كما هدم ضريح 'سعد الدين الأرزقي' بالورديان بمحافظة الإسكندرية من قبل بعض أعضاء الجماعة السلفية. وقال الشيخ جابر قاسم، وكيل مشيخة الطرق الصوفية، إن نحو 14 ضريحا تعرضت لاعتداءات بعد ثورة يناير، بخلاف أضرحة الشهداء ويقدر عددها بـ 40 ضريحا بالمنوفية. وفي مقابل ذلك طالب شيخ الازهر، الدكتور احمد الطيب، الأزهريين بالنزول إلى الجوامع بل والمقاهي ليعرفوا الناس حرمة هدم الأضرحة والتعريف بسماحة الإسلام ووسطيته، مؤكداً 'أن الدعوات التى صدرت من البعض بهدم الأضرحة، إنما صدرت من أصحاب مذاهب وأفكار دموية ولو تركت سيكون الدم في الشوارع'. وطالبهم بـ 'مقاومة ذلك الفكر بكل قوة'. وأضاف شيخ الأزهر: 'أن من يحرمون الصلاة فى المساجد التي يوجد بها أضرحة هم أصحاب فكر فاسد ولا يقاوم إلا بالفكر، مؤكداً: 'أن الصلاة فى مساجد أولياء الله الصالحين التي يوجد بها أضرحة ليست باطلة وإلا كانت الصلاة فى المسجد النبوى باطلة ولأبطلت صلواتهم أيضاً والمسلمين منذ 1400 عام'. وأضاف الطيب: 'أن هؤلاء على استعداد أن يتصالحوا مع نتانياهو ولا يتصالحون مع السيد البدوي رضى الله عنه، فهؤلاء خارجون عن إجماع المسلمين'.

وفي شهر ابريل الماضي اطلقت وزارة الشؤون الدينية في تونس عملية جرد لأوضاع مساجد البلاد التي بات عدد منها تحت سيطرة متطرفين او تركت لتتدهور منذ الثورة. وقال وزير الشؤون الدينية التونسي نور الدين الخادمي ان حوالى 400 مسجد باتت تحت سيطرة السلفيين من اصل حوالى 5000 في البلاد، علما انه امام مسجد الفاتح في تونس الذي كثيرا ما تنطلق منه تظاهرات ينظمها سلفيون.

ولم تسلم ليبيا من هجمة استهداف المساجد. ففي شهر اكتوبر 2011 أقدم العشرات من المقاتلين السلفيين على تفجير وتدمير بعض المساجد التي يتواجد بها قبور وأضرحة علماء المذهب المالكي، الذين عاشوا في ليبيا خلال القرن السادس والسابع الهجريين. فقد دمر مسجد سيدي رمضان بمدينة العزيزية التي تبعد 25 كليومترا عن طرابلس بدعوى ان المسجد به قبر احد اولياء الله الصالحين، وذلك شرك بالله. وفي العاصمة طرابلس، دمر السلفيون مسجد العالم المالكي سيدي حامد. وفي مدينة جنزور تم تدمير مسجد سيدي سالم الذي يتواجد به ضريحه منذ اكثر من 600 سنة، وكانت وفود الطلبة وعلماء الصوفية تتوافد على المسجد المذكور، لأخذ علوم الشريعة على مذهب الإمام مالك وعقيدة الأشعري. وفي سوريا استهدف الشهر الماضي مسجد السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب بمحاولة تفجير كبيرة، اكتشفت مبكرا.

هذه الاعمال لا يمكن فصلها عن سياقاتها التاريخية المعاصرة. ففي 3 ديسمبر 1925 نشرت صحيفة 'الكون' المصرية على صفحتها الاولى عنوانا يقول: آل سعود يدمرون أضرحة الصحابة'، وتحته صور مواقع مهدمة لمساجد اقيمت على قبور آل بيت رسول الله وصحابته. وخلال التسعين عاما الماضية تم القضاء على حوالي 90 بالمائة من التراث الاسلامي بمنطقة الحجاز منها البيت الذي ولد فيه رسول الله بـ 'شعب الهواشم' وبيت السيدة خديجة، وبيت أبي بكر بمحلة 'المسفلة' بمكة، والبيت الذي ولدت فيه السيدة فاطمة بنت محمد بزقاق الحجر في مكة، وبيت حمزة بن عبد المطلب، وبيت الارقم الذي كان النبي محمد يجتمع فيه سرا، وهدموا قبور الشهداء بمقبرة المعلى، وقبور الشهداء في بدر، ومكان العريش الذي نصب للنبي وهو يقود معركة الفقراء، وهدموا قبور البقيع الغرقد حيث يرقد المهاجرون وانصار رسول الله وأهل بيته،

وهكذا يتضح ان استهداف المساجد من قبل المجموعات السلفية المرتبطة بالمذهب الوهابي ليست جديدة، بل لها امتدادات تاريخية ومصاديق معاصرة. وليس جديدا القول بان هدم قبة العسكريين في مدينة سامراء العراقية في فبراير 2006 كان يهدف لاثارة فتنة طائفية تحرف مسار مقاومة الاحتلال الامريكي. فمن يستهدف الاحتلال لا يفتح جبهات محلية اخرى تشغله عن الهدف الاساسي. وقد ادت تلك الحادثة لمواجهات دموية ودشنت مرحلة اكثر دموية مما سبقها، ولكنها ادت في النهاية الى ضعف المجموعات التي حرفت مسار مقاومة الاحتلال وصنعت اهدافا وهمية غير قابلة للتحقق.

وفي هذا السياق تجدر الاشارة الى سياسة هدم المساجد التي صاحبت اجتياح القوات السعودية للبحرين في منتصف شهر مارس 2011. ففي غضون بضعة اسابيع من ذلك تم تدمير 53 منشأة دينية من بينها اكثر من 35 مسجدا، حسب ما جاء في تقرير لجنة التحقيق المستقلة التي شكلها الحاكم وقامت بتمويلها.

هذه المساجد ليس لها قيمة امنية، ولم تهدم لانها، مثلا، مخابئ للثوار او الاسلحة، بل لان القائمين عليها ينتمون لمذهب ديني لا يتوافق مع المذهب الوهابي الحاكم في السعودية. وعندما يتم استخدام المساجد سلاحا في المعارك السياسية فان ذلك يمثل ابشع ما يمكن ان يتمخض عن العقل البشري من اجرام غير محدود. وعندما تضفى على الجريمة قيمة دينية او تعرض للعالم انها 'تكليف شرعي' تتضاعف الجريمة، لان ذلك ينال من مصداقية الدين ويجعله اداة بايدي السياسيين، وطريقا غير مقدس لتسجيل المواقف والنقاط السياسية. وليس هناك دين يامر اهله باستهداف دور عبادة الآخرين، ايا كان دينهم، لان ذلك الاستهداف يطفىء بريق الدين في النفوس ويحوله الى اداة قمع يساء استخدامها من قبل الانتهازيين. ان ظاهرة استهداف المساجد واحدة من اساليب عمل قوى الثورة المضادة لاجهاضها عبر تشطير المجتمع وفق محاور الاختلاف الديني، انطلقت من مدرسة فقهية واحدة واصبحت وسيلة يستعملها النظام الذي يحتضن تلك المدرسة لتحقيق اهداف سياسية في مقدمتها وقف عجلة التغيير في المنطقة وكسر عزائم الثوار. ومواجهة هذه المظاهرة تبدأ باستيعابها بوضوح ليمكن افشالها، فاثارة الفتنة الدينية الخطيرة تبدا باستهداف دور العبادة وهدمها. انها حرب ضد الثورة والدين والتراث والحضارة والآثار التي تروي قصة الانسان ومسيرة التغيير، فالحذر من الوقوع في تلك الفتنة.

الأحد، 10 يونيو 2012

ثقافة الانتصار

صوت الثورة

هل تساءلنا يوما، لماذا لا تنتصر ثورتنا؟ أو لماذا تأخر النصر الإلهي الموعود؟

للإجابة على هذا السؤال وبعيدا عن مسألة الحكمة الإلهية، لابد لنا من معرفة ذاتنا كمدخل لهذه الاجابة. فعلى مدى السنوات الماضية عمل النظام الخليفي وبمساعدة عدة جهات على خلق شريحة شعبية تمتاز بشيء من الهشاشة النفسية وذلك عبر القهر والعنف.. طبقة يمكن التغلغل لأعماقها بسهولة نتيجة تراكمات القهر النفسي والسياسي والاجتماعي وغيره من أشكال القهر.

تلك النفسيات الضعيفة التي نجح النظام في خلقها، يسهل التلاعب بها عبر الكلمات الرنانة والوعود الزائفة، ومن السهل جعلها تتراجع عن مواقفها التي اتخذتها في لحظات الغضب أو التمرد أو حتى النشوة، وذلك نتيجة الضغط الشديد الذي مورس عليها. لذلك نرى اليوم فئة ليست بالقليلة من الشعب متذبذبة بين توجه إسقاط النظام وفكرة إصلاحه رغم قناعتها بعدم إمكانية الإصلاح.. هذه الفئة هي تحديدا السبب الرئيس في تأخر انتصار الثورة.

كلنا يعلم أن العامل النفسي هو أهم عوامل الانتصار في أي مجال،  ليس في الثورات فحسب بل في كل المجالات.. فأصحاب الحسين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، رغم قلة عددهم وعتادهم، كانوا مؤمنين بانتصارهم واثقين من خطاهم لم يترددوا ولم يتأرجحوا بين المواجهة أو التفاوض أو الانسحاب، بل لم تكن الخيارات غير خيار المواجهة واردة على الإطلاق رغم قيام الفرص وتوافرها، ورغم الإغراءات المتعددة الأشكال والترهيب الذي لم يتوقف منذ اللحظات الأولى لدق طبول الحرب، ولذلك سطروا الملاحم في مواجهة جيش يزيد الذي كان أقل تقدير لعدده في كتب التأريخ ثلاثين ألفاً بينما لم يكن عددهم يصل المائة بين مقاتل متمرس وحديث عهد بالقتال، وبين شيوخ وشباب وأطفال.. فكان الإيمان بالانتصار هو الحالة النفسية التي كانوا يعيشونها.. نعم، فالإيمان بقدرتنا على الانتصار هو ما يُحدث الفرق ويُعجل الانتصار، الذي لا يداخلنا شك في أنه قادم لا محالة..

البعض بكل أسف يسعى جاهداً لاختراق النفسيات الضعيفة والمهزوزة بكلمة (مستحيل)، ويصوِّر الأمر على أنه غير قابل للحدوث إذا ما انتهج الشعب خيار إسقاط النظام. بينما يعمد البعض الآخر لتوهين هذه الشريحة من خلال التخويف مما بعد إسقاط النظام، وللأسف، يبدو أن هذه المنهجية قد حققت بعض النجاح فبعثت اليأس في نفوس شريحة، وخلطت المفاهيم في نفوس أخرى.

إن العامل النفسي في تحقيق الانتصار هو الوقود الضامن لاستمرارية الثورة، فإذا ما انشحنت النفس بالإيمان بالنصر كان ذلك، والعكس صحيح بالطبع. لا يمكن تحقيق النصر بالتخويف والترهيب، ولا يمكن تحقيقه بالبحث هنا وهناك عن البدائل لثورة انطلقت على أثر تراكمات وتجارب مريرة مع هذا النظام، ليس أقلها القهر والتعذيب ونكث العهود. نعم، الإيمان بالنصر هو السلاح الذي لا يمكن للبنادق مواجهته أو الانتصار عليه.. وليس هذا محض تنظيرات فالتاريخ مليء بالدروس والعبر.

وليس الاختراق والعبث في المكوِّن النفسي لتلك الشريحة الهشة فقط هو مكمن الضعف، وإنما التهويل السلبي للأمور أكثر خطورة، إذ من السهل جداً لهذه الشريحة أن تنبهر وتتغنى بإنجازات غير حقيقية أو بمواقف يشوبها الغموض.. بل إنها بفعل هذه الهشاشة تعمل بالنيابة عن تلك الأصابع التي تحركها لا شعورياً على إيجاد التبريرات لكل فعل أو موقف غير صائب والتشدق حتى الثمالة بما تسميه إنجازاً غير أنه في واقع الأمر تراجع أو هزيمة. ولمواجهة ذلك، لابد وأن تتمرن هذه الشريحة على الفصل بين الشخوص والمواقف. ولابد أن تدرك بأن انتقاد أو عدم تأييد موقف من شخص ما – مهما كانت مكانته- لا يعتبر نيلاً من الشخص أو انتقاصاً من مقامه، وإنما هو إعمال للعقل كما أمر الله جل شأنه. كما يجب أن يدرك أفراد هذه الشريحة بأنه لا عصمة لغير المعصوم، وعليه، فإن احتمال الخطأ وارد من الجميع مهما كانت الخبرة أو العلم والمعرفة. وأخيراً، لابد وأن يعي الجميع أن الثورات التي انتصرت لم تنتصر بالتنظير وإنما بالنزول إلى ميادين وسوح المواجهة.

ثقافة الثقة والتخوين، هي مورد آخر من موارد الاختراق لتلك الأنفس الهشة وتأخير الانتصار، غير أنها كتلك الأوهام والمخاوف لا تخلو من السخف. فمفهوم الخيانة هو مجرد أن يكون لك رأيك الحر المخالف لما تراه الأصابع المحركة لتلك العقول، ومفهوم الثقة هو أن تصفق لكل ما يصدر عنها حتى وإن لم تكن مقتنعاً بذلك، والتبرير أنهم "يرون ما لا نرى".. هذه الثقافة تعمل في بعدين، الأول تعزيز القاعدة الجماهيرية التي يمكن من خلالها تمرير ما يرى هؤلاء، أما الثاني فتحويل النزاع من الشعب ضد النظام إلى مناكفات ومواجهات جانبية تتيح لذاك الفريق العمل على أجندته التي يسعى جاهداً لفرضها على من لم يتمكن من التأثير عليهم وجرفهم مع أمواج رعاع القوم التي لا تكل ولا تمل من التطبيل والتصفيق لكل شاردة وواردة.

عامل آخر من عوامل تأخير الانتصار يكمن في المقارنات المستمرة بين ثورة الأحرار ضد النظام الخليفي وبقية الثورات في ما يعرف بالربيع العربي. هذه المقارنات تعمل في عدة اتجاهات سواء كان المقصود منها إعاقة عجلة الثورة أو العكس. فهي من جهة تظلم الثورة البحرانية فتنسبها للربيع العربي بينما تمتد جذور الثورة على الظلم والطغيان لأمد بعيد، هو أقدم من كل تلك الحركات الثورية بمراحل. أما من الجهة الأخرى فإن استغراق البعض في تلك المقارنات إنما يحول الطاقة والجهد لما هو غير مفيد.. فكثيراً ما نقرأ ونسمع ونشاهد استغراق البعض في مقارنة عدد الشهداء أو عدد المعتقلين أو نوعية القمع أو غير ذلك من المشاهد المرتبطة بالثورة البحرانية مع ما جرى أو يجري في بقية الثورات، بل يتمادى البعض في احتساب النسب التمثيلية وإقحام المعادلات الرياضية لتعزيز مقارناته.. وكأن الغرض من الثورة هو تقديم التضحيات لا أن يكون ذلك وسيلة لبلوغ الهدف المتمثل في القضاء على الظلم والجور الجبروت.

آفة أخرى تعيق انتصار الثورة، هي آفة التنظير، حيث يستلقي البعض على فراشه الناعم أو يجلس في المقهى وبين يديه جهاز الهاتف ويبدع في التنظير والانتقاد، فيفسر دفاع الأحرار عن الأعراض والحرمات بأنه خروج عن السلمية وإضرار بنظرية "إبهار العالم" وما إلى ذلك من التنظيرات التي لا تعدو خط السخف والاستخفاف بالحرمات التي أوجب الله الدفاع عنها. والويل كل الويل لمن يختلف مع هذا الطرح حيث التهم معلبة وجاهزة للاستخدام.

وليست ساحة الأحرار في الميادين بخالية من عوامل تأخير الانتصار.. فالانهزام من المواجهة والتراجع للخلف عند أول طلقة من طلقات زبانية حمد يشكل عامل إضعاف للطرف الثائر وعامل قوة للطرف المعتدي. ولو أن الأحرار واصلوا تقدمهم بدل التراجع لولى المرتزقة هرباً كما شهدنا وشهد الجميع فرارهم من ميدان اللؤلؤة كالجرذان رغم ما يحملون من عدة وعتاد.. نعم، أحرار الثورة يخرجون بكل عزم وإصرار، غير أن الثبات في المواجهة مع التقدم للإمام هو العنصر الذي يحتاج للتعزيز في المرحلة الحالية ليتقهقر المرتزقة، إذ ليس الغرض من المسيرات أو الاعتصامات جلب المرتزقة للقمع بل للمواجهة الحقيقية. وبكلمات بسيطة، إن الغلبة التي حققها ثوار الميادين على الخوف الذي كان قد تخلل في نفوسهم يجب أن تتواصل لتتحول إلى حالة متقدمة من الإقدام، وذلك طريق الانتصار الميداني.

لعل هذه هي العوامل الرئيسية في تأخر انتصار الثورة لكنها ليست جميعها، فمثلاً الوضع الراهن فرض حالة من السيطرة السياسية على الساحة، فوجد البعض أنفسهم سياسيين رغم أن السياسة لم تكن في يوم موضع اهتمامهم، وبقليل من التنظير وكثير من التبعية، اختلط الحابل بالنابل في أذهان هذه الفئة. وكذلك الخلط بين التعبية الدينية والآراء والتوجهات السياسية، ووضع الخطوط الحمراء والخضراء والزرقاء وغيرها، والكثير الكثير من الأمور التي قد لا تشكل أثراً لو أنها كانت منفردة، لكن اجتماعها يشكل هاجساً لابد من التوقف عنده.

الخطر كل الخطر، هو القبول بالواقع والاستسلام له، وهو أمر من شأنه أن ينهي الثورة عند النقطة التي وصلت إليها.. ومعروف أن نصف ثورة يساوي هلاك أمة.. ولكي لا يكون ذلك فإنه لابد من الاستمرار في مسار التصعيد، ولابد من التجديد في أساليب المواجهة والتأثير على منابع حياة النظام والاستمرار وبشكل أكبر في فضحه في الأوساط الدولية مع عدم إهمال الجانب الداخلي المتمثل في زعزعة أركانه الأمنية.. ولا يكون ذلك سوى بالإيمان الكامل بالنصر، وأن وعد الله بنصر المظلوم متحقق لا محالة غير أن الله قد جعل لكل شيء سببا، وكان وحده ولي النصر..

الخميس، 3 مايو 2012

الكوع والبوع، و"الشيء" نبيل رجب

صوت الثورة

يقول الفيلسوف والأديب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو واصفاً الشعب الإنجليزي: "لن يكون الإنجليز أمّة عبيد، إنهم أحرار في أن يصنعوا ما تسمح لهم به الحكومة والرأي العام"..

هذا الوصف الدقيق هو أول ما يطرأ على ذهن ذي اللب عندما يشاهد كُتَّاب السلطة ووعاظها وأقلامها المأجورة، ثم تتوالى الصور تِباعاً، تَبعاً للمتحدث وموضوع الحديث، لتختتم ذات الصورة المشهد، لأنها بكل بساطة رغم ما فيها من سخرية هي واقع الأمر..

سعيد الحمد، أحد جهابذة الإعلام السلطوي وصاحب ثقافة "العبُّو والربُّو" هو أحد تلك النماذج التي تمتلك في إطار مشيئة الحاكم مطلق الحرية في فعل ما تشاء.. نموذج ليس فريداً من نوعه، لكن –والحق يقال- له بعض الخصائص التي تضفي عليه بعض التميز بين أقرانه من العبيد، من بينها حالة الجهل المذقع التي يعيشها وسط وهم الثقافة والمعرفة الذي يسيطر عليه وعلى من هم على شاكلته، والتي وصفها الناشط الحقوقي البحراني نبيل رجب.. عفواً "الشيء نبيل رجب" كما يصفه "اللاشيء سعيد الحمد"، بالوصف الدارج "لا يعرف كوعه من بوعه"..

ليس الغرض من هذه المقالة عزيزي القارئ النيل من سعيد الحمد، أو تمجيد نبيل رجب.. فلا الأول يستحق الوقت والجهد، ولا الآخر في حاجة للتمجيد والتبجيل.. وإنما ارتأينا ضرورة تكرار حقيقة جهل السلطة وأبواقها من باب أن "التكرار يعلم ....."، وما أكثرهم في هذا الزمان..

وقبل البدئ، نستاءل: هل يعرف سعيد الحمد حقاً كوعه من بوعه؟

بين "الشيء" و "اللاشيء"..
يصر الحَمَد على تسمية نبيل رجب بـ"الشيء نبيل رجب" في حالة من الاستظراف المصطنع أمام كاميرا التلفاز، معتقداً بـ(ثقافته)، ثقافة "العبُّو والربُّو" التي لا تعدو خط الجهل المذقع أنه ينال من شخص رجب بهذا الوصف.. والواقع أن رجب بات بالفعل "شيئاً"، وإلا لما خصص له الإعلام السلطوي مساحة من بثه تكلفه آلاف الدنانير.. فمتى يكون الإنسان "شيئاً" ومتى يكون "لا شيء"؟ سؤال يستحق التوقف عنده بعض الشيء..

يقول الباري عز وجل في محكم كتابه الكريم (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) سورة مريم – الآية 9. وتشير هذه الآية الكريمة إلى حقيقة أن هذا المخلوق (الإنسان) كان في حالة من العدم أي حالة "اللاشيء"، ثم بإرادة الله عز وجل خلقه فجعله "شيئا"، لأنه بعد الخلق بات يشغل حيزاً ويُحدث أثراً.. ومفاد ذلك أن "ما يشغل حيزاً ويُحدث أثراً" إنما يكون "شيئاً".. وجَليٌ للجميع أن نبيل رجب يشغل من إعلام السلطة حيزاً، بل ومن سفاهات سعيد الحمد حيزاً كبيراً، ويُحدث أثراً حقيقياً يستوجب من النظام إنفاق كمٍ كبير من المال والوقت والجهد للتعامل معه، سواء بتكذيب ما يقول أو يفعل أو بمحاولة الطعن في وطنيته وولائه وشرفه أو ما إلى ذلك من الأساليب الرخيصة في منخل النظام الذي يحاول جاهداً أن يغطي به الشمس..

قد يقول القائل أنه وفق هذا البيان، فإن سعيد الحمد (ومن هم على شاكلته بالطبع) "شيء" أيضاً.. ولهؤلاء نقول: هو لا يدعي ذلك مطلقاً بل يقر أن "الشيء" هو نبيل رجب وليس سعيد الحمد.. وما يقابل "الشيء" سوى "اللاشيء" مِصداقاً لقوله عز من قائل: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) سورة الرعد – الآية 17.. إذن هي مقارنة بين "الحق" و "الباطل".. بين "ما يمكث في الأرض" و "الزبد".. بين "الشيء" الذي "ينفع الناس فيمكث في الأرض"، مقابل "اللاشيء" الذي "يذهب جفاء".. (كذلك يضرب الله الأمثال)..

فالأصل في الإنسان إذن هو أن يكون "شيئاً" ينفع الناس لعمله بالحق، فإن عمل بالباطل كان "لا شيء" كالزبد الذي يذهب مع نسمات الريح.. وهو بطبيعة الحال أمر لا تستوعبه ثقافة "العبُّو والربُّو"..


أُكــتــب وأَكــتــب.. اقــــــرأ وأَقــــــرأ..
من طرائف ما طالعنا به اللاشيء سعيد الحمد تحديه في إحدى حلقات تهريجه على شاشة "صفا" (صفا النفس من كل خُلُقٍ كريم)، للشيء نبيل رجب في الكتابة، طالباً أن يُوضع كُلٌّ منهما في غرفة مغلقة فيكتب الشيئ نبيل رجب 500 كلمة (والتي أنقصها في ما بعد إلى 200 كلمة إمعاناً في التحدي) مقابل 3000 كلمة يكتبها اللاشيء سعيد الحمد، على أن يخضع المقالان للتقييم والتحليل من قبل لجنة عالمية من الحقوقيين وغيرهم، ويكون من بين معايير التقييم التدقيق النحوي واللغوي والسياسي..

حقيقةً لم نتمالك أنفسنا من الضحك ونحن نسمع هذا التحدي رغم محاولاتنا الجادة للتوقف، ذلك أن الشيء نبيل رجب لم يطرح نفسه في يوم من الأيام ككاتب أو محلل سياسي وإنما عرفه الناس منذ عرفوه ناشطاً حقوقياً وصاحب رأي ومبدأ، ولأن اللاشيء سعيد الحمد أتبع تحديه بجولة أخرى من التحدي موجهاً حديثه للشيء نبيل رجب قائلاً: "اقرأ باللغة العربية الفصحى، لُـغَـتــــــُــكْ، كما أقرأ أنا بالنحو.. (ثم أتبعها بكلام باللهجة الدارجة) وبنشوف منهو اللي بخربط ومنهو اللي ما بيخرط"، دون أن يفسر لنا الحَمَد سبب رفعه للمجرور في قوله "لُـغَـتــــــُــكْ" والتي كان من المفترض أن تكون "لُـغَـتــــــِـكْ" لِعِلَّةِ جرِّ "اللغةِ" السابقة لها بباء الجر..

يعتقد اللاشيء سعيد الحمد أن العبرة في الحق هي كثرة الكتابة، ولا غرابة فهو قلمٌ يكتب بما يُملئ في جوفه من حبر، بينما المعلوم هو أن "خير الكلام ما قل ودل"، وأن "من زاد حديثه زاد غلطه" كما يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الكثرة غالباً ما تكون عنوان الباطل والقلة عنوان الحق كما في قوله تعالى (قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) سورة البقرة – الآية 246، و (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) سورة البقرة – الآية 249، (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) النساء - الآية 66، (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء - الآية 83، (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الأنفال – الآية 26.. وغيرها الكثير من الآيات الكريمة التي لا يتسع المقام لإيرادها..

ولعله ليس عبثاً كون الحق (ح + ق)، أقل من الباطل (ب + ا + ط + ل) في عدد الحروف رغم قوته في كونه صراط الله جل شأنه..

وكما بدأنا هذا المقال بإحدى طرائف حكم الفيلسوف الساخر برنارد شو لصلتها الوثيقة بالموضوع، نختم بحكمة لا تقل عنها طرافة ولا محاكاة لواقع أبواقع السلطة في ما تدعيه حديث ثقافةٍ ومنطقٍ وتحليل، حيث دُعي برنارد شو إلى حفلة، وانزوى مع شابة جميلة في مكان ما يتحدثان، وبعد انقضاء ساعة ظل جورج يتحدث فيها مادحاً نفسه وأعماله، التفت إلى الشابة قائلا: "لقد أطلنا الحديث عني، وجاء دورك لتحدثيني عن نفسك.. ما رأيك بمسرحيتي الأخيرة؟!"..

كلمة أخيرة، نوجهها للناشط الحقوقي المناضل نبيل رجب، ولكل النشطاء الحقوقيين والإعلاميين الشرفاء، ونقول لهم بلغة الدوار: شكراً لكم.. شكراً لكم


ولتشاركونا البسمة، نترككم مع هذا المقطع من تهريج اللاشيء سعيد الحمد..