الأحد، 28 أكتوبر 2012

تبيان أحكام رب العباد في مساواة دم الضحية والجلاد

مبحثٌ موجز في حُرمة الدم

صوت الثورة



تبيان أحكام رب العباد في مساواة دم الضحية والجلاد
مبحثٌ موجز في حرمة الدم

قبل الخوض في هذا المبحث الموجز الذي لم نكن لنتعرض له لولا أن دعت الحاجة لذلك إثر ما بات يتداوله البعض من كلام سماحة الشيخ عيسى قاسم حول حرمة الدماء وما اصطلح عليه بـ "تساوي الدم الحكومي والدم الشعبي"، نتوقف عند مقدمات ثلاث تفرضها ضرورة الثقافة المجتمعية التي تمتاز بشيء من الحساسية المفرطة تجاه النقد بوجهٍ عام ونقد علماء الدين بوجه خاص:

المقدمة الأولى:
ليس النقد في هذا المبحث موجهاً لشخص الناطق بل لمضمون المنطوق. ولا نتحمل أي تأويل أو تفسير لهذا المبحث خلاف الهدف الذي خُطَّ من أجله.

المقدمة الثانية:
لا نؤمن، بل نرفض رفضاً قاطعاً ما يتبناه البعض من إلباس ثوب العصمة وعدم الخطأ لغير المعصومين الذين اصطفاهم الله وسماهم بأسمائهم، مهما كان موقع الشخص علمياً، أو اجتماعياً، أو دينياً أو سياسياً. ونحمد الله أننا تحصَّنا ضد مرض (الراد على الفقيه كالراد على الله) بولايتنا لأمير المؤمنين علي عليه السلام والعترة الطاهرة، فنعرض ما استشكل من أمر على كتاب الله فإن وافق أخذنا به، وإن خالف رددناه. وحيث أن الله جل شأنه قد قال في محكم كتابه الكريم واصفاً ذاته المقدسة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى – الآية 11، فإننا نرفض رفضاً قاطعاً أن يكون الفقيه أو العالم في مكانة مساوية لله تعالى، وهي مكانة لم يدَّعيها أيُّ من الأنبياء أو الأوصياء لأنفسهم، ومنهم من كلَّم اللهُ، ومنهم من اختاره الله خليلاً، ومنهم من نفخ فيه من روحه، ومن من اصطفى على سائر مخلوقاته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالعالم العامل بما عَلِم يظل في موقع الاحترام والتقدير ما لم يتجاوز حدود الله وشرعه أو يُقر بتجاوز حدود الله فيه من قبل أتباعه ومحبيه من باب الغلو المبني على الجهل، وهي مكانة دون العصمة لا شك ولا ريب.

المقدمة الثالثة:
ليس الغرض من هذا المبحث الموجز إسقاط أو تسقيط شخص أو تيار أو جماعة، وإنما هو حتماً إسقاطٌ وتسقيطٌ لمبدأ مخالف لما شرع الله في كتابه الكريم، وأجمع الفقهاء الأفاضل عليه. ولا يعني كون القائل بها عالماً أو فقيهاً أن يتم التجاوز عنها، لأن في التجاوز مخالفة لأمر الله جل شأنه بالتدبر في كتابه وأحكامه، ومخالفة أيضاً لأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا نجد في ما هو مطروح من فكرة المساواة بين الدماء في سياق ما تم طرحه إلا المنكر المرفوض، والذي إلى الله نبرأ منه.

بعد هذه المقدمات التأسيسية، نطرح هذا المبحث في عناوين ثلاثة هي:
1.     الأصل في حرمة الدماء
2.     متى تُرفع حرمة الدماء؟
3.     إسقاطات على المشهد البحراني


أولاً: الأصل في حرمة الدماء:
قال الجليل جل وعلا في محكم كتابه الكريم (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) المائدة -32، وذلك في أعقاب قوله تعالى (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة -30، والتي يورد فيها الباري جل شأنه قصة قتل قابيل ابن آدم لأخيه هابيل. وقد بدأت الآية الكريمة (32) بإسناد حكم الله في ما يتعلق بحرمة الدم إلى تلك الحادثة التي تعود إلى بداية الخلق، فقال عز من قائل (من أجل ذلك)، فحكم الشارع المقدس في حرمة الدماء جاء نتيجة إراقة الدم بدون وجه حق، ورتَّبت على إثر سفكَ الدم بدون وجه حق نتيجةً مفادها الخسران المطلق (فأصبح من الخاسرين)، دون حصرٍ أو تحديدٍ لهذا الخسران، دنيوياً كان أو أخروياً، ما يفيد عموم الخسران في الدنيا والآخرة.

كما جعلت الآية الكريمة (32) قاتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض في أرذل المراتب حيث قال الجليل جل وعلا (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً). هذا هو المُراد الأول، أما المُراد الثاني فتبينه الآية الكريمة بما ساقته من شرط لاعتبار القاتل مذنباً واستحقاقه للمرتبة التي بينتها، وهو أن يكون القتل بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض. والمعنى المُتحصل من ذلك هو أن القتل إذا كان قتلاً بنفسٍ، أي جزاءً على قتل نفسٍ قتلاً عدائياً ابتدائياً دون استحقاق النفس المقتولة للقتل، أو بحالة أخرى وهي محاربة الفساد في الأرض، والذي أكدته وبيّنته الآية اللاحقة بادئةً بأداة الحصر في جزاء القتل (إنما): (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة 33، فإنه لا يكون مشمولاً بهذه المرتبة الرذيلة بل إن هذا القتل للقاتل المعتدي أو المفسد في الأرض، ينقل القاتل للموقع النقيض. ولذلك اشتملت صورة التشبيه في الآية الكريمة على شقين، اختص كلُّ شقٍ بحالة من الحالتين: فالشق الأول المتمثل بقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، أي قتل الاعتداء، قابلته حالة (فكأنما قتل الناس جميعاً)، أما الشق الثاني المتمثل في قتل القاتل المعتدي أو المفسد في الأرض فقد قابلته الحالة الأخرى في قوله تعالى (فكأنما أحيا الناس جميعا).

فحيث أن قتل الاعتداء جُرمٌ يستحق العقاب، فإن قتل القاتل جزاءٌ يستحق الثواب، وهو محور حكم القصاص الذي سَنَّه الشارع المقدس كما في قوله جل شأنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة 178. وتعريفاً بأثر الالتزام بحكم الشارع المقدس في تطبيق القصاص، قال الباري عز وجل (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 179. فما هو مورد الحياة في قتل القصاص؟ يجيب الشارع المقدس (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً).. وعليه، فإن قتل القصاص هو أحياء للناس جميعا، بينما قتل الاعتداء قتل للناس جميعا. وذلك للتفريق بين حالتي القتل، فلا يظن الواهم أن القتل بما هو قتلٌ، هو فعلٌ يرفضه الشارع المقدس، تعالى الله عما يصفون.

ونظراً لما تنطوي عليه مسألة إراقة الدم من خطورة إنسانية واجتماعية بالغة، علاوة على الخطورة على فساد العقيدة، كان اختصاص تطبيق الحكم الإلهي في الدم محصوراً في الحاكم الشرعي، وهو المعصوم أو من ينوب عنه شرعاً كما هو إجماع الفقهاء، وليست الإنابة عن المعصوم متروكة للأهواء أو الانتخاب، وإنما لتلك النيابة أصولٌ ليس هذا مجال بيانها.

وبهذا، يكون الأصل في دم الإنسان هو الحرمة، لكنها حرمةٌ ترتفع بتزاحم العناوين، ومن بين هذه العناوين إقامة القصاص في القتل أو الإفساد في الأرض.


ثانياً: متى تُرفع حرمة الدماء؟
اشترط الشارع المقدس، وهو ما يُجمع عليه الفقهاء الأفاضل، في الجهاد الابتدائي إذن الحاكم الشرعي (المعصوم أو من ينوب عنه شرعاً)، ذلك أن الولوج في حربٍ تُسفك فيها الدماء ليس بالأمر الهيِّن على الله مع ما تقدم من أصل حرمة دم الإنسان، وهو حكمٌ شرعيٌ لا خلاف عليه. والعلة في ذلك أن الجهاد إنما كان لحفظ الدماء وأن المنطلق الأساس في ذلك هو قاعدة تساوي الدماء بالمطلق. فإن ترتب على الجهاد الابتدائي ضررٌ أكبر من المنفعة كتتابع إراقة الدماء أو حدوث المفاسد في الأرض، كان ذلك خلافاً لعلة الجهاد. وقد جرى إجماع الفقهاء الأفاضل مع غياب الإمام المعصوم على أن حكم الجهاد الابتدائي إنما هو من اختصاص الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لخطورة هذه المسألة.

بيد أن الحكم مختلفٌ في حال الجهاد الدفاعي أو رد الاعتداء، حيث تنتفي قاعدة "تساوي الدماء". وفي هذا السياق، نجد أمير المؤمنين علياً عليه السلام يعلنها صريحة بما لا يقبل التأويل حين رأى تخاذل المسلمين عن الدفاع في ما حدد الله ورسوله من مواضع صريحة واضحة للدفاع، فيقول عليه السلام مستنكراً: "ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسملة، والأخرى المُعاهدَة فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورعاثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كَلَمٌ ولا أُريقَ لهم دم" نهج البلاغة، الخطبة 27، ص79.

ففي هذا المقطع من خطبته عليه السلام، إشارة واضحة على وجوب الدفاع في حال انتهاك حرمة البيت أو السرقة أو الاعتداء على المرأة مسلمة كانت أو غير مسلمة، وإن أفضى الدفاع إلى القتل، وهو بيان للحالة الثانية التي أشارت إليها الآية الكريمة (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض)، حيث لم يشتمل فعل الاعتداء على القتل الموجِب للقصاص لكنه اشتمل قطعاً ويقيناً على (الفساد في الأرض)، مما استلزم رفع حرمة دم المعتدي وتعطيل قاعدة "التساوي في الدماء" وإباحة إراقة الدم دون إذن من معصومٍ أو فقيه. وانتفاء الحاجة للإذن بيِّنٌ في الاستنكار والتوبيخ منه عليه السلام لعدم القيام بفعل الدفاع وإراقة دم المعتدي "فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديرا".

لذلك نجد فتوى سماحة آية الله السيد السيستاني دام ظله الوارف في ما يتعلق بالدفاع عن النفس صريحة وقاطعة حيث يقول ما نصه: "يجب الدفاع عن النفس ضد كل مهاجم وإن تسبب في قتله" (باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المسألة الرابعة، كنز الفتاوى، موقع السراج، بنقل عن مكتب سماحة آية الله السيد السيستاني)، ويؤيد ذلك أيضاً السيد القائد علي الخامنئ دام ظله الوارف حيث جوابه نصاً في هذه المسألة (المسألة 1082، أجوبة الاستفتاءات، السيد علي الخامنئي، ج١، الصفحة ٣٣٤): "إذا كان حفظ النفس المحترمة ومنع وقوع القتل يتوقف على التدخل الفوري والمباشر فهو جائز بل واجب شرعاً باعتباره دفاعاً عن النفس المحترمة، ولا يتوقف ثبوتاً على الاستئذان من الحاكم ولا على الحصول على أمر بذلك". وكذلك هي الحال بالنسبة لبقية الفقهاء الأفاضل.

ومفاد هذه الأحكام أن انتفاء حرمة الدم ورفع التساوي يكون في حال رد الاعتداء، وحكم ذلك الوجوب، مع ترك التشخيص للفرد وعدم اشتراط حصول الإذن من الحاكم الشرعي أو الفقيه للدفاع بكل السبل والوسائل وإن أفضى ذلك الدفاع إلى القتل.

قد يقول القائل أنه لا خلاف في جواز قتل المعتدي وفق ما تقدم، لكن ذلك مشروطٌ بشخص المعتدي ولا إطلاق أو تعميم فيه. وهنا نقول:

أولاً: قال تعالى في محكم كتابه الكريم (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) البقرة 190-191.
وهذه الآية الكريمة هي إحدى آيات الجهاد الدفاعي لا الجهاد الابتدائي، لذلك فإنها لم تشترط إذن المعصوم بل جاء التكليف فيها مباشراً من الله سبحانه وتعالى لعامة المسلمين (وقاتلوا)، (ولا تعتدوا)، (واقتلوهم)، (وأخرجوهم)، (من حيث أخرجوكم).. كما أنها أشارت بوضوح إلى أمر قتال من بدأكم بالقتال (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..).

ولنلحظ في هذه الآية الكريمة مسألة في غاية الأهمية وهي أن الخطاب جاء بالجمع حيث المخاطَب هم عامة المسلمين (وقاتلوا)، والسؤال هنا من نقاتل؟ تجيب الآية الكريمة (الذين يقاتلونكم)، بصيغة الجمع مجدداً.. فلو كان القتل والقتال محصوراً بشخص المعتدي لجاءت الآية بالتبعيض على نحو "الذي يقاتلكم منهم" مثلاً، أو "الذي اعتدى عليكم"، أو "من قاتلكم منهم"، أو بأي صيغة تُفيد التبعيض. أما وقد جاء قوله تعالى بالتعميم (الذين يقاتلونكم) دون تبعيض أو استثناء، فإن فرضية قتال وقتل شخص المعتدي دون غيره ساقطة لا ريب، ويكون قتال الدفاع في هذه الحال لجملة من يقاتلونكم، من ثبت عليه الاعتداء أم لم يثبت طالما كان قتالكم قتال دفاع لرد اعتداء وليس قتلاً أو قتالا ابتدائياً، دون أن تطلبوا إذناً أو رخصة من أحد، فالحكم قد وهبكم الله إياه صراحة دون واسطة (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). فالقيد الوحيد الذي ساقته الآية الكريمة هو "عدم الاعتداء"، ولم تسق قيداً آخر كاستثناء شخص غير المعتدي من جملة المعتدين.

الأمر الآخر الذي تشير له الآية الكريمة، أن رد الاعتداء غير محصور بزمن الاعتداء ولا مكانه، وإنما تنطبق دلالة الجهاد الدفاعي ونفاد أمر القتال بمجرد حدوث الاعتداء، وهو المعنى المستفاد من قوله تعالى (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)، بل إن الآية الكريمة تجاوزت ذلك لتوجيب الدفاع في البقعة الطاهرة التي حرم الله فيها القتال وهي المسجد الحرام، حيث الأصل حرمة القتال فيها ابتداءً، أما إذا كان القتال دفاعاً، فقد رفع الله تلك الحرمة حيث أن حرمة الدم أشد وأعظم (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..) ابتداءً (حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) فيكون قتالكم دفاعاً، والحكم (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ).

بناء على ما تقدم، فإن فرضية إجازة القتل فقط لشخص المعتدي ساقطة مجدداً، والصحيح بموجب دلالات الآية الكريمة أن القتل لجملة المعتدين دون استثناء أو تخصيص أو تبعيض.

ثانياً: قوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) البقرة – 194. وكما هي الحال في الآيات السابقة، فإن هذه الآية الكريمة تشير إلى ذات الدلالة بعدة أوجه. أما الوجه الأول فلزوم القصاص في الحرمات (والحرمات قصاص). والمعلوم أن القصاص لا يرتبط بأصل الفعل المُوجب له مكاناً أو زمناً. فلا يشترط الشارع المقدس في القصاص إلا المماثلة دون اشتراط مكان إقامته أو زمانه. وحيث أن الفعل الابتدائي هو (اعتداء) وردة الفعل وهي الدفاع (اقتصاصٌ) لفعل الاعتداء، فإن الدفاع بالنتيجة يكون غير محدود بزمان أو مكان الاعتداء.

أما الوجه الآخر فيتمثل في قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، حيث تشير الآية الكريمة إلى التماثل بين فعل الاعتداء وفعل الدفاع بتعبيرين لا يتركان مجالاً للريبة والشك، الأول جاء بلفظ التماثل (بمثل)، بحيث يكون الرد مماثلاً للفعل الابتدائي، فإذا كان الفعل الأصل اعتداءً، فإن الرد الدفاعي يكون بالاعتداء أيضاً. أما التعبير الآخر فقد جاء بتكرار لفظ الاعتداء في الفعل الابتدائي وفعل الرد، (من اعتدى عليكم) – (فاعتدوا عليه). فإذا كان الاعتداء قد تم في موقع المُعتدَى عليه، فإن جواز الرد بالاعتداء على المُعتدِي في موقعه ومكانه هو موضع الإجازة في هذه الآية الكريمة. ونلحظ هنا أن الآية الكريمة لم تشر مثلاً بالقول "فمن اعتدى عليكم فدافعوا"، أو "فادفعوا اعتداءه"، حتى يمكن للقائل أن يقول أن ردَّ الاعتداء يكون فقط في ذات المكان والزمان.

وخلاصة القول أنه إذا وقع الاعتداء ابتداءً جاز للمُعتدَى عليه (بل وجب عليه) أن يدافع عن نفسه بفعلٍ مماثلٍ ينطوي على الاعتداء على المُعتدِي سواء في موقعه أو في أي موقع آخر، وهو مصداق لقوله تعالى (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) والذي سبق بيانه.

ومصداق هذا المعنى قول أمير المؤمنين عليه السلام في ذات الخطبة السالفة الذكر: "فقبحاً لكم وتَرحاً حين صِرتم غَرَضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويُعصى الله وتَرضون".

أما الوجه الثالث في دلالات هذه الآية الكريمة، فيتمثل في إجمال الرد دون تبعيض أو استثناء كما هي الحال في الآية الكريمة السابقة (الذين يقاتلونكم)، غير أن الصيغة جاءت هنا متباينة بين الجمع في جانب المخاطَب (فمن اعتدى عليكم) والإفراد في جانب المعتدي (فاعتدوا عليه). وفي ذلك دلالات عديدية نُبيِّن منها وجهاً واحداً فقط بما يقتضي البحث. هذه الدلالة هي أن الدفاع واجبٌ عليكم جميعاً أيها المسلمون وليس على شخص من وقع عليه الاعتداء فقط، ذلك أنه من الوارد جداً، بل والأرجح، أن من وقع عليه الاعتداء ضعيفٌ لا يقوى على الرد، كأن يكون امرأة أو طفلاً أو شيخاً أو مريضاً أو ما إلى ذلك. لذا فإن واجب الدفاع تعلق بموجب الأمر الإلهي في ذمة كل مستطيعٍ وليس فقط في شخص المُعتدَى عليه. أما الإفراد في الطرف الآخر (فاعتدوا عليه)، وليس (عليهم)، فإن مفاد ذلك عدم التجزئة والتبعيض في جانب المعتدين، ذلك أن جميع أفراد جانب الاعتداء إنما جاؤوكم لتنفيذ فعل الاعتداء، فكلهم في الهدف والغرض واحد، وعليه فإن الرد والدفاع يكون موجهاً لهم جميعاً لأنهم في مجموعهم يمثلون شخص المُعتدِي. وأي قراءة على غير هذا المعنى إنما تُوقع صاحبها، علاوةً على مجافاتها العقل والمنطق، في إشكال عظيمٍ من القول بتناقض الآيات الكريمة، حيث في الآية السابقة جاء قوله تعالى (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)، كما سبق التفصيل والبيان.

نكتفي بهذا القدر، وإن كان لا يزال في دلالات ومضامين الآيات الكريمة موضع الاستشهاد الكثير مما يُقال في مسألة انتفاء تساوي دم المُعتدي والمُعتدَى عليه، وارتفاع حرمة دم المُعتدِي بمجرد قيام فعل الاعتداء الابتدائي.


ثالثاً: إسقاطات على المشهد البحراني:
في ضوء ما تقدم، حيث أوردنا البيان في عدم صحة تساوي الدم في جميع الأحوال، وأوضحنا باقتضاب وإيجاز شديدين أن الشارع المقدس قد أوجب حرمة دم الإنسان في الأصل، ورفع تلك الحرمة في حال رد الاعتداء بأمر مباشر، وفي حال الجهاد الابتدائي بأمر المعصوم (أو الفقيه الجامع للشرائط في غيبته كما أجمع الفقهاء) درءً للمفاسد والمهالك. ونبحث بإيجاز تحت هذا العنوان واقع الأمر في الساحة البحرانية، من خلال طرح الأسئلة التالية:
1.     هل يصدق عنوان (الاعتداء الابتدائي) على ما يقوم به مرتزقة النظام في هجومهم على الأهالي، أم أنه (فعلٌ دفاعي)؟
2.     هل ما يقوم به الأهالي (شباب 14 فبراير) اعتداءٌ ابتدائي أم هو دفاع جائز؟
3.     إذا ثبُت عنوان (الاعتداء الابتدائي) على طرف، و (الجهاد الدفاعي) أو لنقل (الاعتداء الدفاعي) على الطرف الآخر، بغض النظر عن من يكون الطرف المعتدي أو المعتدى عليه، فهل يصح القول بتساوي الدم وبقاء حرمته؟

ولنبدأ بالإجابة المقتضبة على السؤال الأول: هل يصدق عنوان (الاعتداء الابتدائي) على ما يقوم به مرتزقة النظام في هجومهم على الأهالي، أم أنه (فعلٌ دفاعي)؟
واقع الحال يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهجمات التي ينفذها مرتزقة النظام الخليفي هي اعتداء ابتدائي بكل ما يحمل العنوان من دلالات، حيث ثبت بالدليل القاطع والتوثيقات المصورة وشهادات الأهالي الاعتداء على الأعراض وإطلاق الرصاص الحي والرصاص الانشطاري وقنابل الغازات السامة بكافة أشكالها، تارة بصورة عشوائية وتارة بتوجيه مباشر بهدف القتل أو إحداث الإصابات في داخل الأحياء السكنية دون مبرر مشروع. كما ثبت بالدليل القاطع أيضاً قيام المرتزقة أثناء تلك الهجمات بالسرقة وتخريب الممتلكات والضرب المبرح لمن طالته أيديهم حتى فارق بعضهم الحياة، ولم يسلم من ذلك طفلٌ أو شيخٌ أو شابٌ أو عجوز أو فتاة. كما ثبت أيضاً بالأدلة الموثقة اعتقال بعض الأهالي من بيوتهم وتعذيبهم حتى الموت في سجون النظام دون أن يثبت على أيٍ منهم جرمٌ، بل وعلى افتراض ثبوت الجرم فإن القتل تحت التعذيب يُعتبر اعتداءً لا تجوزه التشريعات السماوية ولا الوضعية بما فيها التشريعات الظالمة التي يستند عليها النظام.

فإن قلنا أن تلك الصور والمشاهد ليست اعتداءً، فإنها حتماً تكون فعلاً دفاعياً.. فإن كانت دفاعاً فإن كل ما تفعله جائز شرعاً ولا يصح الاعتراض عليه. بل إن المعترض عليه، رجل دين كان أو من عامة الناس، إنما يخالف شرع الله في وقوفه دون تطبيق أحكامه بتمكين المعتدى عليه (في هذه الفرضية المرفوضة) من تنفيذ القصاص الذي وهبه له الشارع المقدس. ويكون تبعاً لذلك كل فعلٍ مُعارضٍ لهذا الأمر تجرأً على الله، ودعوة للفساد وإن تلبس بلباس الدين.

فالواقع إذن، هو أن فعل النظام من خلال مرتزقته هو اعتداءٌ ابتدائي دون أدنى شكٍ أو ريب.

وبهذا، ننتقل للسؤال الثاني، وهو: هل ما يقوم به الأهالي (شباب 14 فبراير) اعتداءٌ ابتدائي أم هو دفاع جائز؟
إذا ما سلمنا بكون فعل النظام اعتداءً ابتدائياً، فإن ما يقوم به الأهالي هو دون أدنى ريبٍ ردٌ للاعتداء بموجب الحكم الإلهي، والذي لا يُشترط فيه إذن الحاكم الشرعي ولا غيره، سواءً كان الدفاع أو ردُّ الفعل في ذات الزمان والمكان، أو في ذات الزمان وغير المكان، أو في ذات المكان وغير الزمان، أو في غير الزمان والمكان. وسواءً أفضى ذلك الرد إلى الإضرار بممتلكات المُعتدي أو امتد ليشمل قتل أيٍ من أفراده دون تمييز بين شخص المعتدي بالفعل من بين جملة معسكر المعتدين.

فإن رفضنا كون فعل الأهالي رداً للاعتداء، بغض النظر عن الزمان أو المكان، فإنه يكون حتماً اعتداءً ابتدائياً يُعطي الحق للنظام للدفاع بكل الوسائل المتاحة وإن أفضى ذلك لقتل الأهالي، سواءً من شارك منهم أم لم يشارك، وكان النظام في فعله هذا ملتزماً بتشريع الله الذي أعطاه الحق في الاعتداء على من اعتدى عليه. وتتكرر ذات النتيجة الافتراضية بعدم جواز الاعتراض على فعل النظام، ويكون كل فعلٍ معارضٍ للنظام تعطيلٌ لشرع الله وإجازته في رد الاعتداء.

وبذلك ننتقل للسؤال الثالث، وهو: إذا ثبُت عنوان (الاعتداء الابتدائي) على طرف، و (الجهاد الدفاعي) أو لنقل (الاعتداء الدفاعي) على الطرف الآخر، بغض النظر عن من يكون الطرف المعتدي أو المعتدى عليه، فهل يصح القول بتساوي الدم وبقاء حرمته؟

بالإجابة على السؤالين السابقين، يتبين لنا أن هناك طرف مُعتدي، وطرفٌ مُعتدى عليه، سواء قلنا بأن النظام ومرتزقته هم المعتدي والأهالي هم المعتدى عليهم، أو قلنا بالعكس، فالنتيجة واحدة، بأن المشهد يضم طرفين، أحدهما مُعتدي والآخر مُعتدى عليه. فإذا كانت هذه هي الحال، فكيف يصح القول بتساوي الدماء والمولى جل شأنه قد رفع حرمة دم المعتدي في حال اعتدائه ليكون في المشهد دمٌ حرامٌ وآخر حلال؟

والنتيجية، هي أن القول بتساوي الدم مع ثبوت حالة الاعتداء، هو قولٌ مناقضٌ لشرع الله وأحكامه، ونسأل الله تعالى أن يكون هذا القول سهواً لا عمداً، لإنه إن كان قولاً متعمداً، ولو لتحقيق مصلحة أو مكسب مُعين، فإنه ينطوي على مناقضة حكم الله وإمضاء رأي المخلوق على إرادة الخالق، والواقع أن المنهج الإسلامي قد قرر بأن (الغاية لا تبرر الوسيلة) في أمور الدنيا، فكيف والأمر قد تعلق بتحريف إرادة الله البيِّنة وتعطيل أحكامه المُلزمة.



هذا ونسأل الله التوفيق والسداد، والهداية والرشاد، بحق محمدٍ وآله سادة العباد، ونستغفره ونتوب إليه من كل خطأ وزلل، ونسأله العافية من نارٍ شرها لا يُحتمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأزكى المرسلين سيدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق